عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

119

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

الواجب بذاته ؛ وقس على ذلك . فليس شيء من تجليات الأسماء والصفات ، أعلى من تجلّي الأحدية ؛ ولعزّتها ، منع أهل اللّه أن يكون لغير اللّه قدم في تجلي الأحدية . وسرّ المنع ، أن الأحديّة - من حيث هي أحديّة - تقتضي عدم التعدّد فيها من كل وجه وبكل اعتبار ، فكيف لخلق فيها قدم مع حقّ ؟ وذلك مشعر بالتغاير والإثنينية ، وهذا محال غير ممكن في تجلّي الأحدية . فإذا قد صحّت لك نسخة منها ، فبالأولى أن يصحّ لك جميع ما تحتها من الكمالات المعبّر عنها بالأسماء والصفات . فأنت الحيّ ، وأنت العليم ، وأنت القدير ، وأنت المريد ، وأنت السميع ، وأنت البصير ، وأنت المتكلّم . وهذه السبعة ، هي أمهات الكمال وأئمة الأسماء والصفات ؛ قد سميت بها ظاهرا ، وسوف أكشف لك عن مواقع نجومها باطنا : أما الحيّ ؛ فأنت متصف به لأن الحقّ سبحانه وتعالى ، كما أنه عين الوجود الساري في أعيان الممكنات ، كذلك أنت سار في أعيان الموجودات بهمّتك ؛ ألا تراك إذا افتكرت في السماء ، كيف تسري روحك فيها ؟ وفي الأرض ، وفي جميع ما تفكر فيه ، أنت كذلك سار فيه بروحك ؛ فحياتك هي القائمة بحياة كل ما سرت فيه . وأما العلم ؛ فأنت متصف به من حيث عقلك ، لأنه عين علم اللّه به وبمعلوماته ، فهو المحيط بالحقّ والخلق ؛ ألا ترى إلى عقلك ، كيف عرفت به الحقّ والخلق ؟ فلولا أنه الصفة العلمية الإلهية ، لما اتسع لمعرفة الحق تعالى . وسبب ذلك ، أنك لا بد أن تطلق اسم الحق في علمك على شيء ، تضيف إليه ما هو للحق من صفات الكمال ، وذلك الشيء الذي أطلقت هذا الاسم عليه ، هو في عقلك معلوم لك ، وهو عين الحق تعالى ، الذي أضفت إليه ما أضفت من صفات الجمال والجلال والكمال ؛ فلو لم يكن عقلك ، عين الصفة العلمية الإلهية ، لما ظهر هو فيها ؛ لأنه سبحانه ليس له محل إلا العلم . . وقد عرّفت بذلك أسرار كثيرة . إن كنت من أهل اللّه ، فقس بالإرادة والقدرة على ما ذكرت ، وتأمّل هل تجد حقيقة هذين الوصفين لك في حال تصوّرك للأشياء في مخيّلتك وتخيّلك ، فتتكوّن كما تريد أم لا ؟ ومتى عرفت ذلك ، لم تفتك معرفة السميع والبصير والمتكلم منك ، وتتحقّق هذه المعرفة . فيجب عليك ، أن تسعى في زوال الموانع لك عن تحقيق ما تجده من كمالك ، ليظهر جسمك بما هو لروحك . فإذن : تصوّر ، في العالم وتكوّنه ، ما كنت تصوّره في العالم الخيالي ؛ تستبرزه مشهودا للحسّ ، كما كان مشهودا للخيال ، وبذلك تعرف أنك